محمد طاهر الكردي

147

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ثم رحلنا من الأبواء في اليوم الثالث قاصدين المدينة المنورة عن طريق مستورة ، وأقمنا بها ثلاثة أيام ثم رجعنا بالسلامة إلى مكة شرفها اللّه تعالى وأدام أمنها وأمانها وخيرها ورخاءها آمين . ومما يستأنس وتؤخذ منه الإشارة على وفاة والدية صلى اللّه عليه وسلم على التوحيد ، أن أباه اسمه ( عبد اللّه ) وهو إرادة اللّه تعالى بتسميته بهذا الاسم الشريف ، وما كان اسمه كأسماء أهل الجاهلية ؛ كعبد العزى وعبد قيس وعبد ياليل أو كلب أو كليب أو كلاب أو فهر ونحو ذلك ، حتى لا ينتسب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأب له اسم بمثل هذه الأسماء ، فكون اسم أبيه ( عبد اللّه ) هو من أشرف الأسماء ، فإذا قيل : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو ( محمد بن عبد اللّه ) كان له وقع عظيم عند جميع الملل والنحل ؛ لأنه أشرف الأسماء . فهكذا أسماه جده عبد المطلب بعبد اللّه ، فلو لم يعرف اللّه عز وجل بالفطرة لم يسمه بعبد اللّه ، فتوحيد آبائه صلى اللّه عليه وسلم وإيمانهم بوجود اللّه عز وجل هذا كاف بإيمانهم بربهم الخلاق العظيم لأنه صادر بالفطرة الإلهية وبتوفيق اللّه عز وجل ، بالعقل والتفكير ، فلا يطلب منهم معرفة شروط الإيمان بالتفصيل كما يطلب منا حيث لم يكن في زمانهم نبي مرسل إليهم ليعلمهم أمور دينهم ويشرح لهم وسائل شريعتهم ، فإيمان بعضهم بوجود اللّه تعالى كاف بنجاتهم إن شاء اللّه تعالى ، وإنه لعز ومفخرة بربهم الخلاق العظيم خالق كل شيء ، وهم في وسط بيئة موبوءة بالكفر والإشراك وعبادة الأصنام . وأيضا أن كون اسم أمه عليه الصلاة والسلام ( آمنة بنت وهب ) يؤخذ منه أنها آمنة من عذاب اللّه وغضبه لتوحيدها ومعرفتها باللّه عز وجل بالفطرة ، ولا شك أن تسمية أمه ( آمنة ) ، أو تسمية أبيه ( عبد اللّه ) ، هي من قضاء اللّه تعالى وقدره ، فقد وافقت التسمية لهما على ما كتب في اللوح المحفوظ من الأزل ، وهذه عناية إلهية بعبده ونبيه المصطفى المختار صلى اللّه عليه وسلم ، وفي المثل العربي ( لكل مسمى من اسمه نصيب ) ، ولا يخفى أن الأدب والحب والاحترام لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي بعثه اللّه تعالى رحمة للعالمين ، أن نظن ونعتقد خيرا بآبائه الكرام ذوي الشرف والمقام السامي عند قومهم .